سلمى و سالم
------------
الحكاية كاملة
-------------
كعادتها سلمى أكبر أُختَيها تُغادر بيتها في حي النصارى داخل أسوار القُدس كل صباح يُرافِقُها والِدُها يعقوب الحداد مرورا بِبَاب كنيسة القيامة الى محطة الباص وتركب إلى جامعتها حيث تدرس التاريخ.
سالم يخرج مسرعا من بيته يقطع سوق خان الزيت الذي يعج بالناس من كل حدب و صوب, يقطعه مرسلا نظره يستمتع بجمال كجنة الأرض كل مايخطر بالبال فيه.محمص القهوة ومنبت الزعتر والبهارات. حلويات الكنافة منذ القدم .. الملابس والخضار والفواكه ... الخ. يعبرها مُستمتعا حتى يصل الى درج باب العامود ثم إلى خارج السور
سلمى دوما ما كانت تحجز المقعد الذي بجانبها حتى المحطة الثانية للباص مرورا بالمسجد الأقصى حيث يصعد وحيد أبويه ذي الطول الفارع و الوجه الوسيم سالم ينظر بحثا عن حسناء الارض ريحانة القلوب سوداء الشعر بيضاء الوجه سلمى.
تتلاقى الأعين تبدأ بالكلام و الاحضان و القبل حتى يصل إلى مقعد بجانبها فارغ تحتله حقيبتها فيرسل جملته اليومية .... سيدتي تسمحين لي بالجلوس؟ و تجيب كما تجيب دوما ... عفوا ... اه تفضل.
محطة تلو المحطة حتى يصل الباص بهم إلى محطتهم الأخيرة في رحلتهم الصباحية اليومية. يقف سالم بجانب كرسيه حتى تخرج سلمى و يرافقها بلا اتفاق و الصمت رفيقهما حتى مقعدها في قاعة المحاضرات ... يتودعان بالعيون و يرحل مسرعا لعله يلحق بمحاضرته و لا يطرد منها بسبب تأخره ككل يوم.
سالم كان يدرس الحاسوب ... و كان متميزا ومبدعا جدا فيه .. حتى انه كان يعمل في أوقات فراغه كمبرمج لبعض الشركات التجارية الصغيرة و كان له دخل مادي يكفيه و يزيد.
كل من كان يعرف سلمى و سالم كان متأكدا من عشق صامت يسكنهما, و لكن من يعرف يعقوب الحداد لا ينظر إلا بحزن إلى مستقبل هذا العشق الرائع.
صورة سوداء لنهاية عشق صامت فضحته العيون و التصرفات و كتمته الألسن و لم تبوح بسرها.
يعقوب الحداد صلب غليظ قاس كالحديد الذي يلين بين ذراعيه .. أو هكذا يعرفونه من يعاملونه بالسوق. لا تفوته صلاة او قداس في كنيسة القيامة ... يجبر الجميع حوله على الالتزام, بل و أحيانا يقسو عليهم لكي يلتزموا بذلك. فهل سيقبل بارتباط ابنته بمسلم .... سؤال كان يحزن الكثيرين حينما يستبقون الاجابة.
قررت سلمى أن تبادر هي بالخطوة الأولى نحو سالم و لكن بما لا يحرجها ان تراجع لسبب أو لأخر.. و حين وصل الباص الى محطة صعود سالم نزلت سلمى مما دفع سالم مندهشا للنزول فورا و اللحاق بها حيث تسارعت خطواتها نحو سوق خان الزيت.
و عند أول السوق ادارت وجهها إليه بخفقان قلب يتردد و حياء يشتعل و حيرة حب, وجهت أول جمل البوح .... "أحببت أن اعرف إن كنت بخيلا يا سالم" والحقتها ببسمة حياء أراحت قلبها و رفعته إلى السماء كغيمة حب لا تمطر إلا سعادة و فرح.
تشجع و تقدم يمشي بجانبها .. "حبيبتي لك ما تشائين فأنا ابن هذه الأرض و انت اكثر من يعرف كرمها" .... بصوته الجهور ونبضات قلب تتسارع, تلعثُم تُغطية محاولات التماسك, أطلق تلك الكلمات التي أشرقت في قلب سلمى كشمس نهار في جنة الونبقة السوداء و غردت بها عصافير كانت تختفي خلف الحياء .. فاتحة أبواب حلم سعيد في الروح طويلا سكن.
و بدأ النهار و انتهى و السوق تلونت حجارته العتيقة بكل معاني الحب و الفرح و كانت كأنها الدقائق حتى انهار النهار أمام هجوم الليل المباغت... فتداركه سالم و أوصلها إلى باب حيها وتابعها حتى اقفلت خلفها باب بيتها.
تسارعت الاحداث و المشاعر ... فجرت سلمى قنبلة عشقها في صدر أبيها ففاض بالغضب يمطرها الوعيد و التهديد ... فلم يكن يراها الا خارجة عن دينه و لم يترك للحوار باب.
امسكت ورقة و كتبت " والدي العزيز اود ان اذكرك أننا في القدس والتي عبر قرون طويلة تشرف فيها عائلتين مسلمتين على كنيسة القيامة، حيث تقوم عائلة نسيبة بفتح وغلق باب الكنيسة يوميا، تتولى عائلة جودة حفظ مفاتيحها" وضعت الورقة أمامه على المنضدة و خرجت.
تناول يعقوب الورقة وقرأها ...نظر إلى صورة زوجته المتوفاة و خاطبها بدمع المشتاق "يا رفيقتي لم أعد أحتمل قوتي الكاذبة بدونك" ثم قلب الورقة و كتب كثيرا على ظهرها .... حتى خبأها في محفظته.
سالم تصيبه عصابات الكيان الصهيوني برصاصة في القدم و تعتقله لأنه كان مرابطا بالمسجد الأقصى دفاعا عنه من اقتحام المستوطنين له.
أصدقاء له هرعوا بالخبر إلى أم سالم و أبيه ... و الذين انطلقا يجوبان سراديب الاحتلال ليعلما أين ذهب بسالم.
سواد في سواد هكذا الصور في عيون سلمى... لماذا تنهار الحياة لما الكره و الصراع ... حاصرها شعور الوحدة, سكن الروح و القلب, و العقل يبكي يصرخ لمن أشكو و من يعنيني ... يجب ان يتغير الحال ... لمن اذهب ... الى الله؟ ... هل يقبل الله إن يُغتال الحب في قلوبنا .... توجهت الى الكنيسة ترسل السؤال خلف السؤال ولم تقترب إلى أي جواب .... دخل الجنون والارتياب في كل أركان فكرها و حياتها .... تفجرت في داخلها ينابيع عطش إلى الله وإلى الغيبيات ... تجردت من كل ما يحيط بفكرها ... بدأت رحلتها الى عالم الصراعات الفكرية تبحث عن الله الذي يخلصها و يخلص سالم مما هم فيه.
حيدر العراقي صديق قديم لسلمى عبر الفيسبوك, لا تعرف لما تفكر في الحديث معه وإطلاعه على ما يحيط بها والأفكار التي تجتاح تلافيف عقلها ... حيدر العراقي مسلم ... ثاني ايام عيد الاضحى الذي أُعدم فيه الشهيد صدام حسين ... انتقل حيدر الى الالحاد بعد انفصال والديه السني و الشيعية نتيجة خلافهما المذهبي ... اعلن كفره بكل ما يحملانه من عقائد و أفكار و ديانات سمحت لهما بتدمير عائلة كانت سعيدة جدا قبل الاحتلال الأمريكي للعراق .. و بالفعل خاطبته سلمى و اخبرته بما حدث و أطلعته على ما تفكر ... حيدر العراقي و بعد ضحكات وقهقهات نصحها بالكفر و حاول ان يدلل على صحة نصيحته و رشدها بما حصل مع سلمى نتيجة الصراعات الدينية.
و لكن سلمى سألته عن جارهم دكتور القلب المشهور ... ميشيل الكلداني و عن سارة اليهودية الأرملة القاطنة خلفهم و التي كان يعشقها حيدر في حين كانت هي تعتزل العالم كله الا سمير الصبي المؤتمن على تجارتها ... ماذا حل بهم؟ هل اقتتلتم جميعا ؟
سلبية حيدر بالإجابة و نفيه للاقتتال .. أبعدتها كثيرا عن فكرة الإلحاد ... بل بالعكس توجهت سلمى اكثر اندفاعا للبحث عن الله الذي سيسمح لها و ينقذها و سالم.
أشار حيدر عليها أن تبحث في الهندوسية و البوذية فلربما تصل الى الله في هاتين الديانتين و نصحها بالابتعاد عن السيخية لأنها جماعة دينية من الهنود الذين ظهروا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلاديين ، داعين إلى دينٍ جديد ، زعموا أن فيه شيئاً من الديانتين الإسلامية ، والهندوسية تحت شعار : " لا هندوس ولا مسلمون " .
ولكنهم فعليا عادوا المسلمين خلال تاريخهم ، وبشكل عنيف ، كما عادوا الهندوس بهدف الحصول على وطن خاص بهم ، وذلك مع الاحتفاظ بالولاء الشديد للبريطانيين خلال فترة استعمار الهند . فكلمة " سيخ " كلمة سنسكريتية تعني : المريد ، أو التابع .
ابحرت في بحور الكتب حيث ذهبت الى الهندوسية و بحثت عن تعريف الله فيها فلم تجد الها واحدا بل وجدت آلهة كثيرة تكون بنية هرّمية غامضة. و تتفاوت القوّة الإلهية فيها من إله إلى اله. و يعبد الهندوس كل إله من الآلهة بكل جوارحهم ويخاطبونه كأنه رب الأرباب ويحسبونه إلههم الأعلى الذي لا إله غيره.
و هنا تساءلت ان كانوا آلهة كثر فأيهم سأدعوا و ايهم سيستجيب لي ... ايهم سيقبل و أيهم يعترض...
فأكملت العمل بالنصح و قرأت سلمى في البوذية باعتبارها من الديانات الرئيسية في العالم، تم تأسيسها عن طريق التعاليم التي تركها بوذا 'المتيقظ". نسبة إلى غوتاما بودا و هي حركة رُهبانية نشأت داخل التقاليد البراهمانية، تحولت عن مسارها عندما قام بوذا بإنكار المبادئ الأساسية في الفلسفة الهندوسية, حيث تتمحور العقيدة البوذية حول ثلاثة أمور أولها، الإيمان ببوذا كمعلّم مستنير للعقيدة البوذية، ثانيها، الإيمان بـ "دارما"، وهي تعاليم بوذا وتسمّى هذه التعاليم بالحقيقة، ثالثها وآخرها، المجتمع البوذي. اين الله في كل هذا فاما ان تعود الى الهندوسية التي تجاوزتها او تنتقل لعالم آخر .. فهي لم تستطع سلمى ان تصل الى هذه المعلومة ... مما دفعها للتراجع و الانتقال الى جزء اخر من المكتبة.
و هناك سمعت حوارا بين اثنين يدروسون اللغة الفارسية و يُعرِفون الها في الديانة الزرادشتية يدعى (أهورامزدا) و كيف ان الاسم مركب من (أهورا) وهو إسم مذكر في الفارسية القديمة ويعني (الحياة). والاسم الثاني(مازدا)، ويعني الحكمة السامية والعظيمة وهو اسم مؤنث
انتفضت تبحث في الزرادشتية ... حيث وجدت ان الله فيها (أهورامزدا) هو إله الرحمة والحكمة والخالق لكل شىء حسن في العالم ولكن ليس مسؤولا عن الشرّ الموجود في العالم. وأما الشرّ فهو من صنع إله الشر أهريمن وهذا لا يعني وجود أكثر من إله، لأن العالم مُنقسم الى عالم النور وعالم الظلمة، عالم الخير وعالم الشر، عالم الفوق وعالم التحت. إلا أن هناك صراع أبدي بينهما، ينتهي هذا بفوز النور على الظلمة، والخير على الشر، وفوز (أهورامزدا) وأعوانه وملائكته على(أهريمان) وأعوانه وشياطينه. و لكن عادت الى نفس النقطة و الاختلاف ... ستدعوا من ليخلصها و يخلص سالم مما هم فيه؟
هل ستدعو اله الخير واله الشر ... و هل ينتصر لها اله الخير ... و هل سيقبل اله الشر ان ينصفها و هو المسؤول عن الشر ان كان حقيقة.
وأثناء تجولها في المكتبة تائهه رشدها يصرخ قلبها شوقا الى عطف ابيها و حنان امها ... و تأن لجرح حبيب حبيس ما أن تواصلا حتى انقطعت بهم السبل ... داخت ووقعت على الارض ... لم تغب عن الوعي و لكنها لم تكن تدرك شيئا و لا تستطيع ان تفعل شيئا ... اجتمع كل من في المكتبة واستدعى الإسعاف حيث نقلت بالحال الى مستشفى هداسا / الطوارئ ... و بعد الفحوصات تبين أنها لم تنم او تاكل او تشرب منذ ايام فانهار جسدها و بقي الوعي يفكر الى من تلجأ لتنجو و سالم مما هما فيه.
في المستشفى و بعد ايام فتحت عينيها لترى يعقوب غليظ القليب يبكي لأول مرة في حياتها ... و الممرضة ترجوه مغادرة الغرفة للحفاظ على سلامة المريضة ... يعقوب لأول مرة يظهر حبا لطالما علمت سلمى أنه محبوس في مكان ما لها و لاختيها .... خرج يعقوب ......
أيام أخرى و تعرفت سلمى الى الممرضة "شهلة" وتحدثت معها في كل شيء حتى في تفاصيل القصة و مما اسعد سلمى أن شهله هي بهائية الدين ... رجتها ان تخبرها اين الله في البهائية .... ترددت شهلة قليلا ثم قالت ان الله هو الميرزا حسين علي الملقب "البهاء" و الذي ولد في قرية "نور" بنواحي "مازندران" بإيران ، سنة 1233هـ .انه القيوم الذي يبقى ويخلد، وأنه روح الله، وأنه هو من بعث الأنبياء والرسل، وأوحى بالأديان، و الإسلام قد نسخت شريعته بمبعثه.
و هنا سألتها سلمى ... اين اجد الله الان اني احتاجه .... اين اجد البهاء ... اين اجد الميرزا حسين دليني عليه ... فقالت شهله الميرزا قد مات و لكن روحه في كل مكان ..... .
حينها سلمى أدركت ان الله آمنت بوجوده البشرية منذ القدم ولكن سموه اسماء مختلفة و عبدوه او فهموا وجوده بطرق كذلك مختلفه. هناك من سماه الله أو يهوه أو إلوهيم أو المطلق أو الحقيقة المطلقة أو الكائن أو الموجود أو المعلوم أو يسوع أو البراهما أو الكريشنا أو الباباجي أو ثيوس أو ديوس أو أدوناي أو إيل أو الطاو أو كوريوس أو دومينوس أو ثور أو (ذلك الآخر).
وكلّ هذه الأسماء إنما هي للخالق الواحد الذي لا إله إلا هو، الكلي القدرة والكلي المعرفة. يتكلم مع الجميع بلغة يفهمونها إذ يتكلم بكل اللغات.
يستمر التخبط في كينونة سلمى بين الغيبيات و الواقع ... صراعات العالم كلها الآن في قلبها و قلبها لا ينظر الا الى سوق خان الزيت.
دخل يعقوب صامتا .... منهكا و كأنه قد كبر في اسبوع مائة عام ... اخرج الورقة و اشار بها الى سلمى لتقرأها ... خجلت سلمى قليلا و فتحت الورقة وقرأت بعيون ادمعت مع أول كلمة " حبيبتي شبيهة امها ابنتي ... اعتذر لأني غطيت خوفي عليكم بغلطتي ... و نعم يا ابنتي انا اعلم و لم انسى اننا في القدس و لم و لن أنسى دور العائلات المسلمة في كل شيء و ليس فقط في حفظ المفاتيح او فتح و غلق أبواب الكنيسة ... نحن نأكل و نشرب و نعيش و نتقاسم الأرض و الهواء و الماء و الروح الطيبة ولا يفرقنا شيء الله الذي نعبده واحد و لكن لا تنسي أننا لا نصلي نفس الصلاة ... و كل ما في الامر انني احب ان تصلي نفس صلاتي" ...
ابتسمت سلمى و تنهدت ثم أطبقت صمتا طويلا .... شعر يعقوب بشيء من الحرج فوقف كأنما يود مغادرة الغرفة ... و في خطوته الاولى ... امسكته سلمى بسؤالها " لماذا؟" ... توقف يعقوب لتستطرد سلمى " لماذا لما تحاورني و تسألني عن رأي و تفهم وجهة نظري ... لماذا لم تشرح لي ما كتبته على الورقة حين كنا نتحدث... لماذا سمحت للغضب ان يحبس استقراري الفكري و العقائدي .... لماذا افترضت اني سأغير صلاتي ... و لماذا أصاب اليهود سالم و لماذا اصلا يحتلون أرضنا؟؟؟؟؟؟؟"
عم الصمت ثانية ... حتى اخترق البكاء و احضان الاب و ابنته " ابي اسمه سالم .... ابي قد اصابه الصهاينة و اعتقلوه ... " و استمرت تحكي و تحكي كل ما في قلبه من احداث و قصص مفرحة او محزنة لوالدها الذي كان يصغي كأنما يعوض ما فاته من الإصغاء لها.
ثم قال" عن الاولى اعتذر و هو خطأي و لو كان الحوار و التفاهم هو أساس التعامل في الأسرة لما وصلنا الى هنا ... أما عن الثانية فأنت مخطئة ... من يحتلنا ليسو يهودا بل هم صهاينة ... فلسطين دائما فيها مسلمين و مسيحيين و يهود.
واليهود الفلسطينيون هم نسل اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين التاريخية كجزء من السكان الأصليين قبل بدء الهجرات الصهيونية في التاريخ الحديث،هؤلاء اليهود الفلسطينيون جزء لا يتجزء من الشعب الفلسطيني.
يا ابنتي صراعنا مع العصابات الصهيونية صراع وجود لا صراع حدود أما وجودنا نحن كفلسطينيين اصحاب ارض (مسلمون مسيحيون و يهود) او الصهاينة بكل الديانات التي تحتويها الحركة الصهيونية و أذيالها. .... و الان اعذريني احتاج الى قهوة و انت ممنوعة منها فأشربها لوحدي في الكافتيريا و أعود" .
دفع أبو سالم رشوة لأحد ضباط العصابات و علم اين يحجز ولده ... ارسل محاميا يهوديا اليه ... وأخرجه بكفالة مدافعا أنه كان هناك ليصلي و ان من اطلق النار عليه هو الجاني ... خرج سالم و نقل الى مستشفى هداسا ليعالجه والده من الإصابة.
عند مدخل المستشفى لمح يعقوب سعيدا النجار يدخل المستشفى ملهوفا ... فجرى إليه يحاول لحاقه و لم يستطع من شدة الزحام و كثرة الاهل و الاقارب و الاصدقاء حوله. ... اكمل يعقوب طريقه الى الكافتيريا اخذ قهوته و اتجه خارجا ليدخن سيجارة ... و سعيد لحق به مبتسما مرتاحا .... و عند اللقاء و بعد التحية و الاحضان أسدل الستار و تكشفت حدود الاحداث وكل عرف موقعه و دوره فيما حدث.
طلب ابو سالم يد سلمى من يعقوب و اتفقا .... و سعيد و يعقوب كانا رفيقين في عمليات مقاومة كثيرة ... حتى عملية تفجير المدرعة التي نفذها يعقوب انتقاما لاستشهاد ام سلمى كانت بمساعدة ابو سالم ... تاريخ لم تمحوه تراكمات السنين و انشغالات الحياة و قهر الاحتلال.
تحرك الرفيقان الى غرفة سالم ... نقلوه بالكرسي المتحرك بحجة الفحوصات و توجهوا به الى غرفة سلمى ... و حين التقت العينان بحضور الأبوين .... عطشان يجلس قرب النبع مكمما فمه و يديه.
تفجرت القلوب فرحا و كسرت الأعين كل الحواجز و الخجل ... تعانقت و قبلت و صرخت بصمتها اشتقت لك .... و بعد حين تذكر العاشقان لما الأبوين معا و لما نحن هنا و توجها بكل تلك الاستعجابات الى الأبوين ... فقال يعقوب لابنته ذهبتي و بحثتي عن الله في كل الديانات ... و لن تجديه الى في الديانات التي هو انزلها ... لن اخوض معك في قبول و رفض و لكن الى من توجهتي بالرجاء والدعاء ... الى الالهة التي وضعها البشر ... ام الى الله الذي أرسل تعاليمه الى الى البشر؟؟ هنا قالت سلمى انا دعوت الله الذي اعبده و يعبده سالم .... ضحك يعقوب و قال ان الله استجاب لك و حلت كل مشاكلك ... و ها هو سالم أمامك بخير و انت مخطوبة له.
دهش سالم ... فهو يجهل الكثير مما حدث لسلمى في غيابه عنها ... سلمى اشارت الى ابيها اي "اله قد استجاب لي؟" ... فأجاب سعيد " سلمى الله سبحانه و تعالى بعت الأنبياء والرسل والديانات ... بعيدا عن الاختلافات تجمعنا التقاطعات فالله واحد احد امرنا جميعا مسلمين و مسيحيين و يهود ان نعبده... اذا لنعبده .... خرج الأبوين...
اقترب سالم من سلمى و سمع منها كل ما جرى ... قبل يدها ... و همس احبك ... اقسم بالله ربي و ربك احبك.
احبك و اعتذر لك عما أصابك .. .. و لكنني كذلك أخشى عليكي من حياتي ... فأنا اخترت الكلام ... أرفض الصمت ... اخترت المقاومة ... و لن أعود للحياة الطبيعية.... اخترت أن أكون جزءا الوطن بدمي و روحي و لن اكون مجرد عدد فيه... و لا اجد لرقتك في حياتي الصعبة مكان............. اعذريني.
كلمات كانت ثقيلة جدا على صدر سلمى ... قيود كبلت صوتها .. غابت الرؤيا خلف ستار الدموع ... قبل يدها و غادر مسرعا ... سالم.
يعقوب يهرع الى دموع طفلته عله يفهم شيئا و ابو سالم يحاول اللحاق بولده... الفشل كان نصيب الصديقين.
تكاتفت مشاعر الخوف , الشوق , الحب, الكرامة, الثورة , انتصارا للوطن دون بقاء في عيون سلمى... تكاتفت كلها تعتصر قلب سالم ... تحاصر روحه و تبني الف ستار و ستار في طريقه ... هنا يحتار و هنا يشتعل يحترق ... هو الوقود و هو النار.
دخل السوق .. حاول الا ينظر الى شيء .. أراد ان يشم عطرها في طريقه و لكن الصور كانت كثيرة و اقوى من سرعته ... صور من ذكريات قريبة تشبثت بمواقع بصره ... يمينا تارة و يسارا تارة
أخرى ... " آه لا اطيق لا اطيق " يصرخ .. تسمرت روحه في منتصف الطريق وما زال مسرعا يركض .. و تلافيف اللب تغط في سهوة ساعة و ساعة تفيق ... وصل المسجد الأقصى .. اخذ موقعه بين المرابطين .. وجد روحه تسبقه تعانق تكبيرات المصلين.
يهتف الله أكبر و قلبه كسجين في محاكم التفتيش الاسبانية تشده الخيل من طرفين يكاد يتمزق بين عشقيه .. ينظر الى الوجوه حوله فلا يراها ... تصرخ روحه كطفلة عربية تحت مقصلة فرنسية.
هل تراها بخير ام اني اشقيتها؟ سؤال يدق قلبه كوتد الصلب في الأقبية الانجليزية ... و لا يملك له اجابة الا الألم.
دموع تسرق خروجها تهرب الى الخد وتخفيها بخفة يذ رفها للدعاء الى الله رب البريه.
دموع الشوق الى سلمى ام دموع الغاز أطلقتها العصابات الصهيونية ام الم الهراوات تستنطق صرخات الضلوع .... هو الم في كل مكان ... هو الم يحمل ألف عنوان ... هو الم لم يحمله الجبل و يحمله الإنسان.
يعقوب في المشفى ما زال يراوغ الصمت و الدموع في كينونة سلمى .. يطارد بصرها الذي يعانق تلك الزاوية المظلمة في الغرفة.. دموعه غلبته فاستسلم لها و اطلق قبلا ليدها ان يابنتي ارحمي ضعفي في حزني عليك و اخبريني ... ماذا يؤلمك؟ ماذا جرى ؟ اين ذهب؟ ... عبثا تلك الدموع تناجي خصوصا حين سرق النوم منه ما تبقى من تركيز سلمى.
ترك يعقوب المشفى متوجها الى بيت صديقه لعل سعيد يملك صورة واضحة لما حدث و لكن عبث ... سعيد قابع عند الباب يراقب الطريق ينتظر ولده.
تستيقظ سيدة هذه الرواية و في عينيها ابتسامة تلمع بقوة كمن وجد النجاة بعد الغرق .. تجهزت و انطلقت تغادر المشفى خلسة مسرعة تسلك خطواته تتمسك بعبقه تحملها بقايا روحه و ترسم لها خارطة الطريق دموعه ... حتى من بعيد رأته بين أيديهم يضربون و يضربون ويشتمون و يهينون شموخا يقاومهم فلا يركع, يزيدون و يكيلون العنف لا يخضع .. الدماء تلون الصورة فلم يعي الا و هي بينه و بينهم ... مخالب الذئاب تحاصرهم و الرصاص الحي علت اصواته ... حتى مات الأزيز في قلبها ... ففارقت روحه الحياة.
اعتقلوا جسده .. وعن جسدها اخذوه ... يظنون انهم ابعدوه ... و زنزانة الوحدة بلا روح اودعوه ... ترافقه دماؤه و دماؤها التي اختلطت .. توسد الجدار و كتب
سلمى يا حبيبتي
احببتك يا قطعه مني
يا ندى صبحي و قمر ليلي
احببت اشراقة شمسك في يومي
احببت همسك
في معزل حبنا
احببت قوة صرختك
برصاصهم وهرواتهم لا تأبهين
كأنك طفلة الامس في حديقة الزهر تلعبين.
احببتك انطقي فلست صمتك اطيق
اهمسي اصرخي و لكن لا تصمتي
حرك شفاهك بلا صوت اقبل
هيا يا حبيبتى الى اين تذهبين.
فلا الأقصى تحرر
لا الأسير تحرر و لا الشهيد عاد
لا الأرض عادت و لا المعتدي غادر فلسطين
انت ها انت غادرتني , و لكن فلتعلمي فقط الى حين.
احببتك و اعلمي انني على العهد والوعد باقي
و لن تلبثي حتى تستمتعي بلحاقي
فالشوق الى الفداء و الى رؤيتك اشتياقي.
احببتك يا شريكتي في كل حجر و زجاجة مولوتوف
يا صانعة المطر في زمن الخوف
احببتك يا أشرف من على الأرض
في زمن باتت فيه الخيانة دبلوماسية
التخاذل تكتيك
و البيع و الشراء شؤون سياسية.
احببتك و احتضن جسدك الطاهر
تلونه دماء الطهر ثورة في روحي ترسم
انا اليوم اقوى من كسرى و اعظم من قيصر
ان سيد في وطني و الوطن بعفة بناته لا يكسر.
..........
ويبقى سالم في زنزانته وحيداً بلا روح قد تركها هناك في البعيد تسكن جسد سلمى بانتظار أملٍ لا يجده قريب .
-----------------------------------------
#وطني_في_عيوني_حرية
جاد عبدالله
------------
الحكاية كاملة
-------------
كعادتها سلمى أكبر أُختَيها تُغادر بيتها في حي النصارى داخل أسوار القُدس كل صباح يُرافِقُها والِدُها يعقوب الحداد مرورا بِبَاب كنيسة القيامة الى محطة الباص وتركب إلى جامعتها حيث تدرس التاريخ.
سالم يخرج مسرعا من بيته يقطع سوق خان الزيت الذي يعج بالناس من كل حدب و صوب, يقطعه مرسلا نظره يستمتع بجمال كجنة الأرض كل مايخطر بالبال فيه.محمص القهوة ومنبت الزعتر والبهارات. حلويات الكنافة منذ القدم .. الملابس والخضار والفواكه ... الخ. يعبرها مُستمتعا حتى يصل الى درج باب العامود ثم إلى خارج السور
سلمى دوما ما كانت تحجز المقعد الذي بجانبها حتى المحطة الثانية للباص مرورا بالمسجد الأقصى حيث يصعد وحيد أبويه ذي الطول الفارع و الوجه الوسيم سالم ينظر بحثا عن حسناء الارض ريحانة القلوب سوداء الشعر بيضاء الوجه سلمى.
تتلاقى الأعين تبدأ بالكلام و الاحضان و القبل حتى يصل إلى مقعد بجانبها فارغ تحتله حقيبتها فيرسل جملته اليومية .... سيدتي تسمحين لي بالجلوس؟ و تجيب كما تجيب دوما ... عفوا ... اه تفضل.
محطة تلو المحطة حتى يصل الباص بهم إلى محطتهم الأخيرة في رحلتهم الصباحية اليومية. يقف سالم بجانب كرسيه حتى تخرج سلمى و يرافقها بلا اتفاق و الصمت رفيقهما حتى مقعدها في قاعة المحاضرات ... يتودعان بالعيون و يرحل مسرعا لعله يلحق بمحاضرته و لا يطرد منها بسبب تأخره ككل يوم.
سالم كان يدرس الحاسوب ... و كان متميزا ومبدعا جدا فيه .. حتى انه كان يعمل في أوقات فراغه كمبرمج لبعض الشركات التجارية الصغيرة و كان له دخل مادي يكفيه و يزيد.
كل من كان يعرف سلمى و سالم كان متأكدا من عشق صامت يسكنهما, و لكن من يعرف يعقوب الحداد لا ينظر إلا بحزن إلى مستقبل هذا العشق الرائع.
صورة سوداء لنهاية عشق صامت فضحته العيون و التصرفات و كتمته الألسن و لم تبوح بسرها.
يعقوب الحداد صلب غليظ قاس كالحديد الذي يلين بين ذراعيه .. أو هكذا يعرفونه من يعاملونه بالسوق. لا تفوته صلاة او قداس في كنيسة القيامة ... يجبر الجميع حوله على الالتزام, بل و أحيانا يقسو عليهم لكي يلتزموا بذلك. فهل سيقبل بارتباط ابنته بمسلم .... سؤال كان يحزن الكثيرين حينما يستبقون الاجابة.
قررت سلمى أن تبادر هي بالخطوة الأولى نحو سالم و لكن بما لا يحرجها ان تراجع لسبب أو لأخر.. و حين وصل الباص الى محطة صعود سالم نزلت سلمى مما دفع سالم مندهشا للنزول فورا و اللحاق بها حيث تسارعت خطواتها نحو سوق خان الزيت.
و عند أول السوق ادارت وجهها إليه بخفقان قلب يتردد و حياء يشتعل و حيرة حب, وجهت أول جمل البوح .... "أحببت أن اعرف إن كنت بخيلا يا سالم" والحقتها ببسمة حياء أراحت قلبها و رفعته إلى السماء كغيمة حب لا تمطر إلا سعادة و فرح.
تشجع و تقدم يمشي بجانبها .. "حبيبتي لك ما تشائين فأنا ابن هذه الأرض و انت اكثر من يعرف كرمها" .... بصوته الجهور ونبضات قلب تتسارع, تلعثُم تُغطية محاولات التماسك, أطلق تلك الكلمات التي أشرقت في قلب سلمى كشمس نهار في جنة الونبقة السوداء و غردت بها عصافير كانت تختفي خلف الحياء .. فاتحة أبواب حلم سعيد في الروح طويلا سكن.
و بدأ النهار و انتهى و السوق تلونت حجارته العتيقة بكل معاني الحب و الفرح و كانت كأنها الدقائق حتى انهار النهار أمام هجوم الليل المباغت... فتداركه سالم و أوصلها إلى باب حيها وتابعها حتى اقفلت خلفها باب بيتها.
تسارعت الاحداث و المشاعر ... فجرت سلمى قنبلة عشقها في صدر أبيها ففاض بالغضب يمطرها الوعيد و التهديد ... فلم يكن يراها الا خارجة عن دينه و لم يترك للحوار باب.
امسكت ورقة و كتبت " والدي العزيز اود ان اذكرك أننا في القدس والتي عبر قرون طويلة تشرف فيها عائلتين مسلمتين على كنيسة القيامة، حيث تقوم عائلة نسيبة بفتح وغلق باب الكنيسة يوميا، تتولى عائلة جودة حفظ مفاتيحها" وضعت الورقة أمامه على المنضدة و خرجت.
تناول يعقوب الورقة وقرأها ...نظر إلى صورة زوجته المتوفاة و خاطبها بدمع المشتاق "يا رفيقتي لم أعد أحتمل قوتي الكاذبة بدونك" ثم قلب الورقة و كتب كثيرا على ظهرها .... حتى خبأها في محفظته.
سالم تصيبه عصابات الكيان الصهيوني برصاصة في القدم و تعتقله لأنه كان مرابطا بالمسجد الأقصى دفاعا عنه من اقتحام المستوطنين له.
أصدقاء له هرعوا بالخبر إلى أم سالم و أبيه ... و الذين انطلقا يجوبان سراديب الاحتلال ليعلما أين ذهب بسالم.
سواد في سواد هكذا الصور في عيون سلمى... لماذا تنهار الحياة لما الكره و الصراع ... حاصرها شعور الوحدة, سكن الروح و القلب, و العقل يبكي يصرخ لمن أشكو و من يعنيني ... يجب ان يتغير الحال ... لمن اذهب ... الى الله؟ ... هل يقبل الله إن يُغتال الحب في قلوبنا .... توجهت الى الكنيسة ترسل السؤال خلف السؤال ولم تقترب إلى أي جواب .... دخل الجنون والارتياب في كل أركان فكرها و حياتها .... تفجرت في داخلها ينابيع عطش إلى الله وإلى الغيبيات ... تجردت من كل ما يحيط بفكرها ... بدأت رحلتها الى عالم الصراعات الفكرية تبحث عن الله الذي يخلصها و يخلص سالم مما هم فيه.
حيدر العراقي صديق قديم لسلمى عبر الفيسبوك, لا تعرف لما تفكر في الحديث معه وإطلاعه على ما يحيط بها والأفكار التي تجتاح تلافيف عقلها ... حيدر العراقي مسلم ... ثاني ايام عيد الاضحى الذي أُعدم فيه الشهيد صدام حسين ... انتقل حيدر الى الالحاد بعد انفصال والديه السني و الشيعية نتيجة خلافهما المذهبي ... اعلن كفره بكل ما يحملانه من عقائد و أفكار و ديانات سمحت لهما بتدمير عائلة كانت سعيدة جدا قبل الاحتلال الأمريكي للعراق .. و بالفعل خاطبته سلمى و اخبرته بما حدث و أطلعته على ما تفكر ... حيدر العراقي و بعد ضحكات وقهقهات نصحها بالكفر و حاول ان يدلل على صحة نصيحته و رشدها بما حصل مع سلمى نتيجة الصراعات الدينية.
و لكن سلمى سألته عن جارهم دكتور القلب المشهور ... ميشيل الكلداني و عن سارة اليهودية الأرملة القاطنة خلفهم و التي كان يعشقها حيدر في حين كانت هي تعتزل العالم كله الا سمير الصبي المؤتمن على تجارتها ... ماذا حل بهم؟ هل اقتتلتم جميعا ؟
سلبية حيدر بالإجابة و نفيه للاقتتال .. أبعدتها كثيرا عن فكرة الإلحاد ... بل بالعكس توجهت سلمى اكثر اندفاعا للبحث عن الله الذي سيسمح لها و ينقذها و سالم.
أشار حيدر عليها أن تبحث في الهندوسية و البوذية فلربما تصل الى الله في هاتين الديانتين و نصحها بالابتعاد عن السيخية لأنها جماعة دينية من الهنود الذين ظهروا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلاديين ، داعين إلى دينٍ جديد ، زعموا أن فيه شيئاً من الديانتين الإسلامية ، والهندوسية تحت شعار : " لا هندوس ولا مسلمون " .
ولكنهم فعليا عادوا المسلمين خلال تاريخهم ، وبشكل عنيف ، كما عادوا الهندوس بهدف الحصول على وطن خاص بهم ، وذلك مع الاحتفاظ بالولاء الشديد للبريطانيين خلال فترة استعمار الهند . فكلمة " سيخ " كلمة سنسكريتية تعني : المريد ، أو التابع .
ابحرت في بحور الكتب حيث ذهبت الى الهندوسية و بحثت عن تعريف الله فيها فلم تجد الها واحدا بل وجدت آلهة كثيرة تكون بنية هرّمية غامضة. و تتفاوت القوّة الإلهية فيها من إله إلى اله. و يعبد الهندوس كل إله من الآلهة بكل جوارحهم ويخاطبونه كأنه رب الأرباب ويحسبونه إلههم الأعلى الذي لا إله غيره.
و هنا تساءلت ان كانوا آلهة كثر فأيهم سأدعوا و ايهم سيستجيب لي ... ايهم سيقبل و أيهم يعترض...
فأكملت العمل بالنصح و قرأت سلمى في البوذية باعتبارها من الديانات الرئيسية في العالم، تم تأسيسها عن طريق التعاليم التي تركها بوذا 'المتيقظ". نسبة إلى غوتاما بودا و هي حركة رُهبانية نشأت داخل التقاليد البراهمانية، تحولت عن مسارها عندما قام بوذا بإنكار المبادئ الأساسية في الفلسفة الهندوسية, حيث تتمحور العقيدة البوذية حول ثلاثة أمور أولها، الإيمان ببوذا كمعلّم مستنير للعقيدة البوذية، ثانيها، الإيمان بـ "دارما"، وهي تعاليم بوذا وتسمّى هذه التعاليم بالحقيقة، ثالثها وآخرها، المجتمع البوذي. اين الله في كل هذا فاما ان تعود الى الهندوسية التي تجاوزتها او تنتقل لعالم آخر .. فهي لم تستطع سلمى ان تصل الى هذه المعلومة ... مما دفعها للتراجع و الانتقال الى جزء اخر من المكتبة.
و هناك سمعت حوارا بين اثنين يدروسون اللغة الفارسية و يُعرِفون الها في الديانة الزرادشتية يدعى (أهورامزدا) و كيف ان الاسم مركب من (أهورا) وهو إسم مذكر في الفارسية القديمة ويعني (الحياة). والاسم الثاني(مازدا)، ويعني الحكمة السامية والعظيمة وهو اسم مؤنث
انتفضت تبحث في الزرادشتية ... حيث وجدت ان الله فيها (أهورامزدا) هو إله الرحمة والحكمة والخالق لكل شىء حسن في العالم ولكن ليس مسؤولا عن الشرّ الموجود في العالم. وأما الشرّ فهو من صنع إله الشر أهريمن وهذا لا يعني وجود أكثر من إله، لأن العالم مُنقسم الى عالم النور وعالم الظلمة، عالم الخير وعالم الشر، عالم الفوق وعالم التحت. إلا أن هناك صراع أبدي بينهما، ينتهي هذا بفوز النور على الظلمة، والخير على الشر، وفوز (أهورامزدا) وأعوانه وملائكته على(أهريمان) وأعوانه وشياطينه. و لكن عادت الى نفس النقطة و الاختلاف ... ستدعوا من ليخلصها و يخلص سالم مما هم فيه؟
هل ستدعو اله الخير واله الشر ... و هل ينتصر لها اله الخير ... و هل سيقبل اله الشر ان ينصفها و هو المسؤول عن الشر ان كان حقيقة.
وأثناء تجولها في المكتبة تائهه رشدها يصرخ قلبها شوقا الى عطف ابيها و حنان امها ... و تأن لجرح حبيب حبيس ما أن تواصلا حتى انقطعت بهم السبل ... داخت ووقعت على الارض ... لم تغب عن الوعي و لكنها لم تكن تدرك شيئا و لا تستطيع ان تفعل شيئا ... اجتمع كل من في المكتبة واستدعى الإسعاف حيث نقلت بالحال الى مستشفى هداسا / الطوارئ ... و بعد الفحوصات تبين أنها لم تنم او تاكل او تشرب منذ ايام فانهار جسدها و بقي الوعي يفكر الى من تلجأ لتنجو و سالم مما هما فيه.
في المستشفى و بعد ايام فتحت عينيها لترى يعقوب غليظ القليب يبكي لأول مرة في حياتها ... و الممرضة ترجوه مغادرة الغرفة للحفاظ على سلامة المريضة ... يعقوب لأول مرة يظهر حبا لطالما علمت سلمى أنه محبوس في مكان ما لها و لاختيها .... خرج يعقوب ......
أيام أخرى و تعرفت سلمى الى الممرضة "شهلة" وتحدثت معها في كل شيء حتى في تفاصيل القصة و مما اسعد سلمى أن شهله هي بهائية الدين ... رجتها ان تخبرها اين الله في البهائية .... ترددت شهلة قليلا ثم قالت ان الله هو الميرزا حسين علي الملقب "البهاء" و الذي ولد في قرية "نور" بنواحي "مازندران" بإيران ، سنة 1233هـ .انه القيوم الذي يبقى ويخلد، وأنه روح الله، وأنه هو من بعث الأنبياء والرسل، وأوحى بالأديان، و الإسلام قد نسخت شريعته بمبعثه.
و هنا سألتها سلمى ... اين اجد الله الان اني احتاجه .... اين اجد البهاء ... اين اجد الميرزا حسين دليني عليه ... فقالت شهله الميرزا قد مات و لكن روحه في كل مكان ..... .
حينها سلمى أدركت ان الله آمنت بوجوده البشرية منذ القدم ولكن سموه اسماء مختلفة و عبدوه او فهموا وجوده بطرق كذلك مختلفه. هناك من سماه الله أو يهوه أو إلوهيم أو المطلق أو الحقيقة المطلقة أو الكائن أو الموجود أو المعلوم أو يسوع أو البراهما أو الكريشنا أو الباباجي أو ثيوس أو ديوس أو أدوناي أو إيل أو الطاو أو كوريوس أو دومينوس أو ثور أو (ذلك الآخر).
وكلّ هذه الأسماء إنما هي للخالق الواحد الذي لا إله إلا هو، الكلي القدرة والكلي المعرفة. يتكلم مع الجميع بلغة يفهمونها إذ يتكلم بكل اللغات.
يستمر التخبط في كينونة سلمى بين الغيبيات و الواقع ... صراعات العالم كلها الآن في قلبها و قلبها لا ينظر الا الى سوق خان الزيت.
دخل يعقوب صامتا .... منهكا و كأنه قد كبر في اسبوع مائة عام ... اخرج الورقة و اشار بها الى سلمى لتقرأها ... خجلت سلمى قليلا و فتحت الورقة وقرأت بعيون ادمعت مع أول كلمة " حبيبتي شبيهة امها ابنتي ... اعتذر لأني غطيت خوفي عليكم بغلطتي ... و نعم يا ابنتي انا اعلم و لم انسى اننا في القدس و لم و لن أنسى دور العائلات المسلمة في كل شيء و ليس فقط في حفظ المفاتيح او فتح و غلق أبواب الكنيسة ... نحن نأكل و نشرب و نعيش و نتقاسم الأرض و الهواء و الماء و الروح الطيبة ولا يفرقنا شيء الله الذي نعبده واحد و لكن لا تنسي أننا لا نصلي نفس الصلاة ... و كل ما في الامر انني احب ان تصلي نفس صلاتي" ...
ابتسمت سلمى و تنهدت ثم أطبقت صمتا طويلا .... شعر يعقوب بشيء من الحرج فوقف كأنما يود مغادرة الغرفة ... و في خطوته الاولى ... امسكته سلمى بسؤالها " لماذا؟" ... توقف يعقوب لتستطرد سلمى " لماذا لما تحاورني و تسألني عن رأي و تفهم وجهة نظري ... لماذا لم تشرح لي ما كتبته على الورقة حين كنا نتحدث... لماذا سمحت للغضب ان يحبس استقراري الفكري و العقائدي .... لماذا افترضت اني سأغير صلاتي ... و لماذا أصاب اليهود سالم و لماذا اصلا يحتلون أرضنا؟؟؟؟؟؟؟"
عم الصمت ثانية ... حتى اخترق البكاء و احضان الاب و ابنته " ابي اسمه سالم .... ابي قد اصابه الصهاينة و اعتقلوه ... " و استمرت تحكي و تحكي كل ما في قلبه من احداث و قصص مفرحة او محزنة لوالدها الذي كان يصغي كأنما يعوض ما فاته من الإصغاء لها.
ثم قال" عن الاولى اعتذر و هو خطأي و لو كان الحوار و التفاهم هو أساس التعامل في الأسرة لما وصلنا الى هنا ... أما عن الثانية فأنت مخطئة ... من يحتلنا ليسو يهودا بل هم صهاينة ... فلسطين دائما فيها مسلمين و مسيحيين و يهود.
واليهود الفلسطينيون هم نسل اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين التاريخية كجزء من السكان الأصليين قبل بدء الهجرات الصهيونية في التاريخ الحديث،هؤلاء اليهود الفلسطينيون جزء لا يتجزء من الشعب الفلسطيني.
يا ابنتي صراعنا مع العصابات الصهيونية صراع وجود لا صراع حدود أما وجودنا نحن كفلسطينيين اصحاب ارض (مسلمون مسيحيون و يهود) او الصهاينة بكل الديانات التي تحتويها الحركة الصهيونية و أذيالها. .... و الان اعذريني احتاج الى قهوة و انت ممنوعة منها فأشربها لوحدي في الكافتيريا و أعود" .
دفع أبو سالم رشوة لأحد ضباط العصابات و علم اين يحجز ولده ... ارسل محاميا يهوديا اليه ... وأخرجه بكفالة مدافعا أنه كان هناك ليصلي و ان من اطلق النار عليه هو الجاني ... خرج سالم و نقل الى مستشفى هداسا ليعالجه والده من الإصابة.
عند مدخل المستشفى لمح يعقوب سعيدا النجار يدخل المستشفى ملهوفا ... فجرى إليه يحاول لحاقه و لم يستطع من شدة الزحام و كثرة الاهل و الاقارب و الاصدقاء حوله. ... اكمل يعقوب طريقه الى الكافتيريا اخذ قهوته و اتجه خارجا ليدخن سيجارة ... و سعيد لحق به مبتسما مرتاحا .... و عند اللقاء و بعد التحية و الاحضان أسدل الستار و تكشفت حدود الاحداث وكل عرف موقعه و دوره فيما حدث.
طلب ابو سالم يد سلمى من يعقوب و اتفقا .... و سعيد و يعقوب كانا رفيقين في عمليات مقاومة كثيرة ... حتى عملية تفجير المدرعة التي نفذها يعقوب انتقاما لاستشهاد ام سلمى كانت بمساعدة ابو سالم ... تاريخ لم تمحوه تراكمات السنين و انشغالات الحياة و قهر الاحتلال.
تحرك الرفيقان الى غرفة سالم ... نقلوه بالكرسي المتحرك بحجة الفحوصات و توجهوا به الى غرفة سلمى ... و حين التقت العينان بحضور الأبوين .... عطشان يجلس قرب النبع مكمما فمه و يديه.
تفجرت القلوب فرحا و كسرت الأعين كل الحواجز و الخجل ... تعانقت و قبلت و صرخت بصمتها اشتقت لك .... و بعد حين تذكر العاشقان لما الأبوين معا و لما نحن هنا و توجها بكل تلك الاستعجابات الى الأبوين ... فقال يعقوب لابنته ذهبتي و بحثتي عن الله في كل الديانات ... و لن تجديه الى في الديانات التي هو انزلها ... لن اخوض معك في قبول و رفض و لكن الى من توجهتي بالرجاء والدعاء ... الى الالهة التي وضعها البشر ... ام الى الله الذي أرسل تعاليمه الى الى البشر؟؟ هنا قالت سلمى انا دعوت الله الذي اعبده و يعبده سالم .... ضحك يعقوب و قال ان الله استجاب لك و حلت كل مشاكلك ... و ها هو سالم أمامك بخير و انت مخطوبة له.
دهش سالم ... فهو يجهل الكثير مما حدث لسلمى في غيابه عنها ... سلمى اشارت الى ابيها اي "اله قد استجاب لي؟" ... فأجاب سعيد " سلمى الله سبحانه و تعالى بعت الأنبياء والرسل والديانات ... بعيدا عن الاختلافات تجمعنا التقاطعات فالله واحد احد امرنا جميعا مسلمين و مسيحيين و يهود ان نعبده... اذا لنعبده .... خرج الأبوين...
اقترب سالم من سلمى و سمع منها كل ما جرى ... قبل يدها ... و همس احبك ... اقسم بالله ربي و ربك احبك.
احبك و اعتذر لك عما أصابك .. .. و لكنني كذلك أخشى عليكي من حياتي ... فأنا اخترت الكلام ... أرفض الصمت ... اخترت المقاومة ... و لن أعود للحياة الطبيعية.... اخترت أن أكون جزءا الوطن بدمي و روحي و لن اكون مجرد عدد فيه... و لا اجد لرقتك في حياتي الصعبة مكان............. اعذريني.
كلمات كانت ثقيلة جدا على صدر سلمى ... قيود كبلت صوتها .. غابت الرؤيا خلف ستار الدموع ... قبل يدها و غادر مسرعا ... سالم.
يعقوب يهرع الى دموع طفلته عله يفهم شيئا و ابو سالم يحاول اللحاق بولده... الفشل كان نصيب الصديقين.
تكاتفت مشاعر الخوف , الشوق , الحب, الكرامة, الثورة , انتصارا للوطن دون بقاء في عيون سلمى... تكاتفت كلها تعتصر قلب سالم ... تحاصر روحه و تبني الف ستار و ستار في طريقه ... هنا يحتار و هنا يشتعل يحترق ... هو الوقود و هو النار.
دخل السوق .. حاول الا ينظر الى شيء .. أراد ان يشم عطرها في طريقه و لكن الصور كانت كثيرة و اقوى من سرعته ... صور من ذكريات قريبة تشبثت بمواقع بصره ... يمينا تارة و يسارا تارة
أخرى ... " آه لا اطيق لا اطيق " يصرخ .. تسمرت روحه في منتصف الطريق وما زال مسرعا يركض .. و تلافيف اللب تغط في سهوة ساعة و ساعة تفيق ... وصل المسجد الأقصى .. اخذ موقعه بين المرابطين .. وجد روحه تسبقه تعانق تكبيرات المصلين.
يهتف الله أكبر و قلبه كسجين في محاكم التفتيش الاسبانية تشده الخيل من طرفين يكاد يتمزق بين عشقيه .. ينظر الى الوجوه حوله فلا يراها ... تصرخ روحه كطفلة عربية تحت مقصلة فرنسية.
هل تراها بخير ام اني اشقيتها؟ سؤال يدق قلبه كوتد الصلب في الأقبية الانجليزية ... و لا يملك له اجابة الا الألم.
دموع تسرق خروجها تهرب الى الخد وتخفيها بخفة يذ رفها للدعاء الى الله رب البريه.
دموع الشوق الى سلمى ام دموع الغاز أطلقتها العصابات الصهيونية ام الم الهراوات تستنطق صرخات الضلوع .... هو الم في كل مكان ... هو الم يحمل ألف عنوان ... هو الم لم يحمله الجبل و يحمله الإنسان.
يعقوب في المشفى ما زال يراوغ الصمت و الدموع في كينونة سلمى .. يطارد بصرها الذي يعانق تلك الزاوية المظلمة في الغرفة.. دموعه غلبته فاستسلم لها و اطلق قبلا ليدها ان يابنتي ارحمي ضعفي في حزني عليك و اخبريني ... ماذا يؤلمك؟ ماذا جرى ؟ اين ذهب؟ ... عبثا تلك الدموع تناجي خصوصا حين سرق النوم منه ما تبقى من تركيز سلمى.
ترك يعقوب المشفى متوجها الى بيت صديقه لعل سعيد يملك صورة واضحة لما حدث و لكن عبث ... سعيد قابع عند الباب يراقب الطريق ينتظر ولده.
تستيقظ سيدة هذه الرواية و في عينيها ابتسامة تلمع بقوة كمن وجد النجاة بعد الغرق .. تجهزت و انطلقت تغادر المشفى خلسة مسرعة تسلك خطواته تتمسك بعبقه تحملها بقايا روحه و ترسم لها خارطة الطريق دموعه ... حتى من بعيد رأته بين أيديهم يضربون و يضربون ويشتمون و يهينون شموخا يقاومهم فلا يركع, يزيدون و يكيلون العنف لا يخضع .. الدماء تلون الصورة فلم يعي الا و هي بينه و بينهم ... مخالب الذئاب تحاصرهم و الرصاص الحي علت اصواته ... حتى مات الأزيز في قلبها ... ففارقت روحه الحياة.
اعتقلوا جسده .. وعن جسدها اخذوه ... يظنون انهم ابعدوه ... و زنزانة الوحدة بلا روح اودعوه ... ترافقه دماؤه و دماؤها التي اختلطت .. توسد الجدار و كتب
سلمى يا حبيبتي
احببتك يا قطعه مني
يا ندى صبحي و قمر ليلي
احببت اشراقة شمسك في يومي
احببت همسك
في معزل حبنا
احببت قوة صرختك
برصاصهم وهرواتهم لا تأبهين
كأنك طفلة الامس في حديقة الزهر تلعبين.
احببتك انطقي فلست صمتك اطيق
اهمسي اصرخي و لكن لا تصمتي
حرك شفاهك بلا صوت اقبل
هيا يا حبيبتى الى اين تذهبين.
فلا الأقصى تحرر
لا الأسير تحرر و لا الشهيد عاد
لا الأرض عادت و لا المعتدي غادر فلسطين
انت ها انت غادرتني , و لكن فلتعلمي فقط الى حين.
احببتك و اعلمي انني على العهد والوعد باقي
و لن تلبثي حتى تستمتعي بلحاقي
فالشوق الى الفداء و الى رؤيتك اشتياقي.
احببتك يا شريكتي في كل حجر و زجاجة مولوتوف
يا صانعة المطر في زمن الخوف
احببتك يا أشرف من على الأرض
في زمن باتت فيه الخيانة دبلوماسية
التخاذل تكتيك
و البيع و الشراء شؤون سياسية.
احببتك و احتضن جسدك الطاهر
تلونه دماء الطهر ثورة في روحي ترسم
انا اليوم اقوى من كسرى و اعظم من قيصر
ان سيد في وطني و الوطن بعفة بناته لا يكسر.
..........
ويبقى سالم في زنزانته وحيداً بلا روح قد تركها هناك في البعيد تسكن جسد سلمى بانتظار أملٍ لا يجده قريب .
-----------------------------------------
#وطني_في_عيوني_حرية
جاد عبدالله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق